عبد الوهاب الشعراني

374

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

الزم بيتك وابك على نفسك ، وخذ ما تعرف ودع ما تنكر ، وعليك بأمر خاصّة نفسك ، ودع عنك أمر العامّة ، واملك عليك لسانك » . وقوله مرجت : أي فسدت ، وقوله وخفت أماناتهم : أي قلت ، مأخوذ من قولهم خف القوم أي قلوا . وروى البيهقي مرفوعا : « يأتي على النّاس زمان لا يسلم لذي دين دينه إلّا من هرب بدينه من شاهق إلى شاهق ، ومن جحر إلى جحر » الحديث . وروى الطبراني وغيره مرفوعا : « من انقطع إلى اللّه تعالى كفاه اللّه مؤنته ورزقه من حيث لا يحتسب ، ومن انقطع إلى الدّنيا وكّله اللّه إليها » واللّه تعالى أعلم . [ الترغيب في دفع الغضب وكظم الغيظ : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن ندفع غضبنا ونكظم غيظنا ، ونأمر بذلك جميع إخواننا ، وإذا غضب أحدنا وهو قائم فليجلس ، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع ، فإن لم يزل فليتوضأ . ويحتاج من يريد العمل بهذا العهد إلى السلوك على يد شيخ صادق يدخله إلى حضرة الرضا بكل واقع في الوجود وبطريقه الشرعي ، فلا يبقى عنده شيء يغضبه لأنه فعل حكيم عليم ، وما ترك الناس يغضبون إلا حجابهم عن شهود أن اللّه هو الفاعل لكل ما برز في الوجود ، وشهودهم الفعل من جنسهم ، فلذلك غضبوا على غضبهم ، ولو أنهم سلكوا الطريق لوجدوا الفعل للّه تعالى ببادي الرأي ، فلم يجدوا من يرسلون عليه غضبهم ، ووجدوا كل شيء وقع في الوجود هو عين الحكمة ، فذهب اعتراضهم وعصمتهم للنفس جملة . فاسلك يا أخي على يد شيخ ناصح ليقلّ غضبك ، وإلا فمن لازمك الغضب شئت أم أبيت ، فعلم أن الكامل لا يغضب لنفسه قط ، وإنما يغضب إذا انتهكت حرمات اللّه تعالى ، وكأن الحق تعالى يقول للكامل : إذا رأيت عملا برز على يد أحد من عبيدي مخالفا لشريعة نبيي صلى اللّه عليه وسلم فاغضب ، ولو شهدت أني أنا الفاعل لكني لم آمرك أن تغضب على فعلي ، وإنما آمرك أن تغضب على وجه نسبة الفعل إلى عبدي ، فعلم أنه لا سبيل لأحد إلى تبرئة العبد عن الفعل جملة أبدا . وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [ الآنفال : 17 ] فافهم . وقد قدمنا أن كل من غضب للّه تعالى غضب اللّه تعالى لغضبه إذا آذاه أحد : جَزاءً وِفاقاً [ النبأ : 26 ] . ومن رأى محرمات الحق وسكت على فاعلها مع قدرته على منعه لم يغضب اللّه لغضبه ولا ينتصر له ، بل يتركه حتى يكاد يذوب فلا يلومنّ العبد إلا نفسه ، إما كشفا ويقينا وإما إيمانا وتسليما . وقد اجتمعت مرة بإبليس لعنه اللّه بساحل نيل مصر في واقعة ، فجادلته وجادلني وكان من جملة ما قال لي : لم يسلطني اللّه تعالى قط على إنسان إلا بعد وقوع ميل منه إلى ذلك الأمر الذي وسوست له به ، فالإنسان ككفتي الميزان وقلبه